İngilizce ve Arapça

النورسي كما شاهدته-الشيخ محمد قرقنجي

النورسي كما شاهدته

الشيخ محمد قرقنجي

من كتاب (المفكرون يتكلمون)

ترجمة: أورخان محمد علي

مما لا شك فيه أنه لا يمكن الإحاطة بمثل هذه الشخصية التي تتصف بخصال سامية وصفات راقية عدة حتى لقب بـ(بديع الزمان) ونحن نكتفى هنا بإلقاء نظرة إلى هذه الشخصية الخارقة بقدر معرفتنا ومن زاوية نظرنا فحسب.

فهو والحق يقال خادم أمين للقرآن الكريم، وتلميذ بديع للرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، ومجدد عظيم في ميدان التجديد ومرشد أكبر في ساحة الإرشاد في هذا العصر، حيث أرسى قواعد وأسس أسساً وبيّن مناهج يستطيع كل فرد أن يبدد بها ظلمات الكفر والضلالة، وبسطها أمام الأنظار بأسلوب ملائم وموافق تماماً لمدارك أبناء هذا العصر وذلك في كليّاته المسماة بـ”رسائل النور”، التي تتضمن حقائق إيمانية وقرآنية ما استرشد بها الإنسانُ إلاّ وتبلّغه إلى الكمال المبتغى له إلى سعادته الدنيوية والأخروية؛ فاستقطب أنظار الاستحسان والإعجاب من لدن أرباب العلم والمعرفة والتحقيق.

وأُولى تلك الحقائق السامية باتفاق الأنبياء والأولياء والأصفياء جميعهم هي الغاية من خلق الكائنات والقصد منها، ألا وهو الإيمان بالله ومعرفته سبحانه.

نعم، هذه هي أساس دعوة “النورسي” تلك الدعوة التي توصل الإنسانية إلى الرقي الحقيقي والكمال المبتغى، بل لا يمكن الوصول إلى ذلك إلاّ بالإيمان بالله وبمحبة الله وبوسائل توصلها إليهما.

وأوضح بجانب هذا كذلك أن الكفر والضلالة يهويان بالإنسانية وبكل شيء إلى العدم والعبث، مقيماً الحجج والبراهين على أن السعادة والأمن والأمان كلّه في الإيمان والعقيدة الخالصة فحسب.

وقد عالج هذه القضية الأساس بأسلوب أدبي بليغ رائع ملفت للأنظار، وذلك بما وهبه الباري سبحانه من بلاغة خارقة وفصاحة بديعة وطرافة نكت دقيقة ونفاسة التعابير وسلاسة الإفادة.. فبيّن باليد البيضاء لهذه كلها:

محبة الله ومعرفته سبحانه اللتين هما الغاية من الخلق والبلوغ إلى الكمال بل هما القصد من خلق الإنسان بل الخلق كلّه…

أي أنه أنزل هذه الأمور العظيمة منازلها في مدارك العقول واهباً للإنسان بشرى السعادة بأسلوب مبهج ولهجة حلوة وتعابير لطيفة مؤنسة حوّلت بساتين وجدان الحقيقة إلى رياحين وأزاهير مفتحة.

نعم، كما أن الصنعة تدل على الصانع والأثر على المؤثر والطرّة الموجودة على العملة على السلطان العظيم، كذلك المضمون الواسع والحقائق السامية التي هي في “كليات رسائل النور” والعبارات الذهبية الخالصة التي فيها كلّها تعرّف – في كل باب بل في كل صحيفة بل في كل سطر – ذلك العارف المحقق وذلك المدقق المدبر… ذلكم سلطان الكلام: بديع الزمان.

نعم، إن “النورسي” ليس فرداً عادياً قط بل هو فرد يتميز بمزايا عدّة له من الخصال العالية والفضائل السامية بحيث يضم كل منها فضائل ومزايا كثيرة، لذا لايمكن وصفه بسهولة ويسر، فهو أعجوبة الفطرة وفريد الخلقة وبديع الزمان قلّ نظيره في عصره، لذا نعجز عن أن نفهمه فهماً جامعاً لأفراده مانعاً لأغياره، فضلاً عن تفهيمه للآخرين..

فأهم مايفتن الإنسان من شخصيته الفذّة ويعجب به إعجاباً لا نظير له، هو ما وهبه الله سبحانه وشرّفه من المرتبة الراقية، وهو الإيمان. أي “الإيمان بالله” من حيث معرفته سبحانه ومن حيث محبته سبحانه، فهو بهذا الانتساب إلى الله والتعرف إليه والتحبب له والتحرك الشعوري إزاء أوامره قد بزّ الآخرين في حين عجز كثير من الفلاسفة والمفكرين والحكماء: أن يتعاملوا مع ذلك الإيمان ويتذوقوه.

لذا يعدّ “النورسي” –في هذه الزاوية- في ذروة كمال الإيمان، فليس من السهل تعريف إيمانه على حقيقته ووصف ما وصل إليه من المراتب العالية.

نعم، ان الحالة النورانية التي كان يعايشها “النورسي” لا يمكن إدراكها بالعلم والمعرفة بل إن أمكن فيمكن بالذوق والكشف والتقرب والدنو من تلك الحالة نفسها. فهي حالة سامية ورائعة رفيعة. ومن المعلوم أن المرء إذا وهب مزية وفضيلة فقد لا يتصف بأخرى وإذا برز في خصلة من الخصال فقد لا يبرز في الثانية.

وأمثلة هذا كثيرة، إذ قد يكون المرء أديباً بارعاً ولا يكون عارفاً كاملاً بالله، وقد يكون أديباً وعارفاً ولكن دون أن يبلغ درجة من العلم أو أن يكون له منه نصيب..

وقد يصل إلى هذه المرتبة أيضاً ولكن يخونه الفكر الواسع فلا يكون مفكراً وقد يكون صاحب أخلاق وفضائل ولكن ليس له من الذكاء والدهاء الشيء الكثير، وقد يكون عابداً زاهداً ولكن ليس مرشداً مجاهداً في الوقت نفسه وهكذا…

ولنلق نظرة إلى ملامح شخصية النورسي من هذا المنطلق.

لا شك أننا نرى: أنه إبراهيم ابن أدهم زمانه في الزهد، والغزالي والقاضي عياض والرازي في العلم والمعرفة، وابن رشد وابن سينا في الفلسفة والحكمة، وجلال الدين الرومي والشيخ الكيلاني والشاه النقشبند في الإرشاد والتوجيه، وأحمد الفاروقي السرهندي في التجديد.

وإن جاز التشبيه فهو جامعة واسعة جداً تضم كليات عدّة.. لذا فقد أسس فلسفة إسلامية خالصة، وتياراً فكرياً صافياً بل مدرسة إيمانية وعلمية وذلك في مؤلفه العظيم “رسائل النور”.

وأنجز كذلك حركة تجديدية كبرى تتسم بالديمومة إلى يوم القيامة بإذن الله.

فمؤلَّفه هذا كالثريا بين النجوم تنير هذا العصر الذي أظلم وجدانُه وخمد فكره ونضبت صفاته وانطفأ وخبأت جميع أنواره وبريقه. وشق النورسي به طريقاً جديداً في العالم الإسلامي بما وهبه الباري من همة عالية وتضحية نادرة وتجرده الكامل وشجاعته الفائقة فهو مجدّد في أسلوب عرض الإسلام وفي تفكيره وحتى في لغته وأسلوبه وفي وسائل تبليغه.

وكما هو مجدد فهو مدقق حكيم قد ضمّ في مؤلفه من القواعد والقوانين والدساتير ما ثبت –لكل ناظر إليها- أن الإسلام وأوامره ونواهيه ملائمة كل التلاؤم مع العقل ومطابقة كل التطابق مع العلم. وكما هو مجدّد ومدقق وحكيم فهو في الوقت نفسه عالم محقق ومفكر بديع إذ قد بيّن في مؤلفه: أن أركان الإيمان والإسلام هي في منتهى السهولة واليسر للتناول وذلك ببراهين عقلية ونقلية، وسرد حججاً ودلائل ونثر براهين في ثنايا مؤلفه هذا بحيث لا تدع الإنسان إلاّ الاستسلام في تقدير وإعجاب. وأن قبول الكفر والرضى به في منتهى الصعوبة والإشكال والشقاء.

وفوق ذلك فقد تشرف “النورسي” بالإحسان الإلهي والعناية الربانية فوهبه سبحانه من مواهب بلاغية وفصاحة وبُعد نظر في وضع البراهين والحجج والقواعد البلاغية وقوانين البيان الأدبي والبديع والمحسنات اللفظية ما جعل مؤلفه لا يُمَلُّ منه بالتكرار قط.. بل يُقرأ صباح مساء دون ملل ولا سأم بفضل ما يملك من أوصاف جاذبة.

وكما هو محقق ومفكر وعالم جليل فهو مربٍّ كذلك ومؤسس جماعة لأنه أسس جماعة تضم أشتاتاً من الناس من كل صنف منهم، أسس جماعة إيجابية بنّاءة بدلاً من السلبية الهدامة.. جماعة تبني ولا تهدم، جماعة مؤمنة تعمل بالفكر العملي المتزن.

ومما يلفت النظر حقاً أنه قد جمع أصنافاً شتى من ذوي المسالك المتباينة والمشارب المتنوعة والمشاعر المختلفة والأذواق المتغايرة… جمع كلهم تحت سقف واحد وفكر واحد، فكل صنف وكل طبقة من الناس ابتداءاً من الصغير إلى الكبير ومن الأميّ إلى العالم الفذ.. قد تحلقوا حول تلك المدرسة المعنوية حلقات متراصة فهي حقاً مدرسة مباركة لا يستفسر فيها أحد سؤالاً ما إلاّ ويجد جوابه حاضراً، بل ويجد بغيته ومطلوبه أمامه وبين يديه، مع اقتناع تام وقلبه يمتلئ سروراً وانشراحاً. ومما يبيّن جانبه التربوي العميق هذا وملاءمة عمله مع الفطرة البشرية هو أنه: أصبح مظهراً للحقائق القرآنية ومعكساً لها كالمرآة المصقولة، إذ اتخذ رضوان الله أساساً، وأخوة الإسلام دستوراً، ورجح منفعة الآخرين على منفعته الذاتية محققاً فضيلة الإيثار، تنفيذاً للآية الكريمة “ويؤثرون على أنفسهم” باستمرار.

فالجماعة التي ربّاها الأستاذ “النورسي” تتمثل بهذه الخصال وتتميز بها وتظهر عليها الأخلاق العالية والفضائل الإسلامية، فذوقهم هو ما يعطيه ذلك العيش الكريم من متعة نزيهة وذوق طهور، وليس ذلك إلاّ بإيثار الآخرة على الدنيا وحظوظها.

لذا فالأستاذ النورسي –حسب مشاهداتنا- الذي نشر أنوار لطافته إلى العالم أجمع: هو واحد من بين أولئك الذين نذروا أنفسهم في خدمة الآخرين، وأصبحوا درعاً متيناً أو حصناً حصيناً لهم أمام نزول المصائب عليهم. فمن أهم صفاته ومميزاته الرفيعة التي تحيط به كالهالة–هي التجرد والاستغناء عن الناس- إذ المدققون جميعاً ينظرون بإعجاب وحيرة إلى أمره هذا حيث لا يكفّ لحظة من حياته عن التجرد والاستغناء عن الناس وعلى الأخص في هذا العصر العجيب الذي قلّما يدع الإنسان –لحظة واحدة- من حظوظه. فعمره المبارك هو سلسلة كاملة متعاقبة من التجرد والاستغناء عن الآخرين. وليس هذا إلاّ هبة إلهية محضة له كما هو ثابت لدى أهل التحقيق من العلماء.

وإن ما نورده هنا من أمثلة قليلة يستطيع كل فرد أن ينظر وأن يشاهد من خلالها، كيف أن الأستاذ فهرست الغرائب ومثال فذ في كل خطوة من خطوات حياته ونموذج ممتاز لكل خُلق من أخلاقه الفاضلة، فهو حقاً قدوة علم يستحق أن يقتدى به في كل خطوة.

فاستمع إلى كلامه هذا مثلاً:

“لقد ضحيت حتى بآخرتي في سبيل تحقيق سلامة ايمان المجتمع، فليس في قلبي رغب في الجنة ولا رهب من جهنم، فليكن سعيد بل ألف سعيد قرباناً ليس في سبيل ايمان المجتمع التركي البالغ عشرون مليونا فقط بل في سبيل ايمان المجتمع الإسلامي البالغ مئات الملايين. ولئن ظل قرآننا دون جماعة تحمل رايته على سطح الأرض فلا أرغب حتى في الجنة إذ ستكون هي أيضاً سجناً لي، وإن رأيت إيمان أمتنا في خير وسلام فإننيأرضىأن أُحرق في لهيب جهنم إذ بينما يحترق جسدي يرفلقلبي في سعادة وسرور”. (سيرة ذاتية 457)

نعم هذه هي العظمة: يدع الدنيا وما فيها جميعاً جانباً من متاع وغرور بل يستغني حتى عن السعادة في الجنة، فلا يجعلها غاية الحياة ولا يريد إلاّ رضا الله وحده وإيمان الناس.

أليست هذه بتضحية عظيمة جداً: أن يرضى الإنسان بنار جهنم على أن ترفرف أعلام أحكام القرآن في أقطار العالم.؟!

نعم إنه استغنى عن أبسط حقوق الإنسان المباحة كحق امتلاك السكن –وهو القادر على ذلك بل وله الاستعداد لذلك-أو الزواج أو صلة الرحم بالأقارب أو حتى المراسلة مع الآخرين أو حب الأولاد أو الصحبة مع الناس.

فلأجل ماذا تجنّب كل هذا؟!

إنّه تجنّب كل ذلك لأجل هؤلاء الذين يربون على المليون من المؤمنين بالله حقاً، المستقيمين على الصراط السوي.. من أولي الهمم العالية، العفيفين حقاً..

وقد فعل ذلك كله من أجل أن تنمو وتزدهر هذه الجماعة. نعم، نعم لقد أدار الأستاذ ظهره عن كل تبسّم دنيوي فانٍ، وما إنشاء أمثال هؤلاء الأشخاص إلاّ من عزم راسخ لايقدر عليه كل واحد، وليس هذا إلاّ لبديع الزمان ولمن من أمثاله من الشموس العظام بين النجوم.

نعم، إن حركة تجديده قد شملت حتى أسلوب العمل الأخروي إذ إنه لم يعط لنفسه نصيباً ما بقوله:

“هذا هو سر تأثير رسائل النور في إشعال الحماس في القلوب وفي الأرواح كالأمواج في البحار الواسعة. وهذا هو سر تأثيرها في القلوب وفي الأرواح وليس شيئاً غيره. ومع أن هناك آلافاً من العلماء سجلوا الحقائق التي تتحدث عنها رسائل النور في مئات الآلاف من الكتب، والتي هي أكثر بلاغة من رسائل النور، لم تستطع إيقاف الكفر البواح. فإذ كانت رسائل النور قد وفّقت إلى حدّ ما في مقارعة الكفر البواح تحت هذه الظروف القاسية، فقد كان هذا هو سر هذا النجاح.. ففي هذا الموضوع لا وجود لـ “سعيد”، ولا وجود لقابلية “سعيد” وقدرته، فالحقيقة هي التي تتحدث عن نفسها..نعم.. الحقيقة الإيمانية هي التي تتحدث”. (سيرة ذاتية، ص443)

وقال:”نعم، إن السعيد هو مَن يرمي شخصيته، ويذيب أنانيته التي هي كقطعة ثلج في الحوض العظيم اللذيذ المترشح من كوثر القرآن الكريم كي يغنم ذلك الحوض”. (اللمعات، رسالة الإخلاص)

لذا فقد ترك حتى حظوظ نفسه وهواها وشخصيته وآماله أيضاً.

فهذا التجرد والصفة العالية والاستغناء عن الناس هو أحد جوانبه التي جعلته فرداً في حكم “الكليّ”.

 وإن من خصائص أي قائد أو فاتح بل الألزم له هو شجاعته وثباته أيضاً فالشدة والثبات من عزمات ذلك الشخص والمتانة والإقدام من جهاده وأمثالها من الصفات هي التي تكون أساساً لأوصافه الأخرى.. فالأستاذ بديع الزمان هو مثال رائع ونموذج بديع لتلك الشجاعة.

وإن الذي أوصله إلى تلك المنزلة الرفيعة والجلية، والعامل المهم هو ما تعرض له مقدساته من هجمات، فاذا تأملناه من هذه الزاوية وجدناه القائد الفذ.. فهو مجاهد عظيم وفاتح معنوي جليل.

فلنقدم للقارئ إذن بعض النماذج من تلك الشجاعة النادرة:

أثناء اقامته في”وان” قرأ في الصحف المحلية خبراً مدهشاً هزّ كيانه كلّه هزّاً عنيفاً. فقد نشرت الصحف ما قاله وزير المستعمرات البريطاني “غلادستون”: “ما دام هذا القرآن بيد المسلمين فلن نستطيع أن نحكمهم، لذلك فلا مناص لنا من أن نزيله من الوجود أو نقطع صلة المسلمين به..”

زلزل هذا الخبر كيانه زلزالاً شديداً وصمّم بينه وبين نفسه أن يكرس كل حياته لإظهار إعجاز القرآن وربط المسلمين بكتاب الله حيث قال: “لأبرهنن للعالم بأن القرآن شمس معنوية لا تنطفئ ولا يمكن إطفاء نورها”.

واتُهم في حادثة 31 مارت ممن اتُهم وقُدّم إلى المحكمة. وفي المحكمة –وجثث خمسة عشر من المشنوقين تشاهد متدلية عبر النافذة- بدأ الحاكم العسكري خورشيد باشا بمحاكمة بديع الزمان قائلاً له:

وأنت أيضاً تدعو إلى تطبيق الشريعة؟ إن من يطالب بها يشنق هكذا (مشيراً بيده إلى الجثث المعلقة).

فقام بديع الزمان “سعيد النورسي” وألقى على سمع المحكمة كلاماً رائعاً.. ومما قاله:

“لو كان لي ألف روح، لكنت مستعداً لأن أضحى بها في سبيل حقيقة واحدة من حقائق الشريعة، اذ الشريعة سبب السعادة وهي العدالة المحضة وهي الفضيلة. أقول: الشريعة الحقة لا كما يطالب بها المتمردون.

إنني طالب شريعة، لذا أزن كل شيء بميزان الشريعة. فالإسلام وحده هو ملتي، لذا اُقيّم كل شيء وأنظر إليه بمنظار الإسلام.

وإنني أذ أقف على مشارف عالم البرزخ الذي تدعونه “السجن” منتظراً في محطة الإعدام القطار الذي يقلني إلى الآخرة أشجب وأنقد ما يجري في المجتمع البشري من أحوال ظالمة غدارة. فخطابي ليس موجهاً إليكم وحدكم وإنما اُوجهه إلى بني الإنسان كلهم في هذا العصر. فلقد انبعثت الحقائق من قبر القلب عارية مجردة بسر الآية الكريمة: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾(الطَّارِق:9)فمن كان أجنبياً غير محرَم فلا ينظر إليها. إنني متهيء بكل شوق للذهاب إلى الآخرة، ومستعد للرحيل إليها مع هؤلاء المعلقين على المشانق. تصوروا مبلغ اشتياقي اليها بهذا المثال:

قروي مغرم بالغرائب سمع بعجائب إسطنبول وغرائبها وجمالها ومباهجها، كم يشتاق إليها؟

فأنا الآن مثل ذلك القروي مشتاق إلى الآخرة التي هي معرض العجائب والغرائب.

لذا فإن إبعادي ونفيي إلى هناك لايُعدّ عقاباً لي. ولكن إن كان في قدرتكم وفي استطاعتكم تعذيبي وايقاع العقاب عليّ فعذّبوني وجداناً، فدونه ليس عذاباً ولاعقاباً بل فخراً وشرفاً.

لقد كانت هذه الحكومة تخاصم العقل أيام الاستبداد. إلاّ أنها الآن تعادي الحياة بأكملها. فإن كانت الحكومة على هذا الشكل والمنطق؛ فليعش الجنون وليعش الموت، ولتعش جهنم مثوىً للظالمين”.(صيقل الإسلام، 440)

وأهم ما يلزم المصلح، الخطبة والبلاغة والفصاحة، فهو موصوف بهذه الصفة بكل معانيها.. وكان يهدف من وراء خطبه تأمين مستقبل البشرية وضمان حياتهم الأبدية، فكانت مقدساته الجليلة تشع أنوارها في وجدانه فتهيجه وتحركه في الوقت الذي يرى مجتمعه يتردّى إلى الهاوية بالأفكار الباطلة.

فانظر إلى خطبه وبياناته كم هي جادة وذات حياة فأحياناً أخذ طور مدرس ومفكر وأفهم الناس حقائق فلسفية دينية بكل سهولة ويسر وبعبارات وجيزة وفي منتهى الإبداع، واتخذ طور القائد الفاتح –في الوقت الذي تقوقع الجميع في جلده- وقال: لا تخافوا يا أخوتي، لاتخافوا فقد قصمت ظهر الكفر، وأهدى بهذا الكلام أملاً مشرقاً لمجاهديه.

وعندما رأى مجلس المبعوثان لدولة وأمة عريقة مهملاً بعض واجباته الدينية، بيّن لهم أن عزتهم وشرفهم التليد ليس إلاّ في الإسلام وما كان يمكن أن يكون في غير الإسلام. واستهل كلمته التاريخية بـ”يا أيها المبعوثون.. إنكم لمبعوثون ليوم عظيم..” لم يرض مصطفى كمال عن هذا البيان فاستدعى بديع الزمان وحدثت بينهما مشادة عنيفة وكان مما قاله مصطفى كمال:

 لا ريب أننا بحاجة إلى أستاذ قدير مثلك، لقد دعوناك إلى هنا للاستفادة من آرائك المهمة، ولكن أول عمل قمت به لنا هو الحديث عن الصلاة، لقد كان أول جهودكم هنا هو بث الفرقة بين أهل هذا المجلس.

فأجابه بديع الزمان– مشيراً إليه بإصبعه بحدة:

باشا.. باشا.. إن أعظم حقيقة تتجلّى بعد الإيمان هي الصلاة وإن الذي لا يصلى خائن وحكم الخائن مردود”.

وفي حادثة 31 مارت المذكورة سابقاً لو لم يوقف الأستاذ تلك المشكلة عند حدّها لكانت تهدر دماء غزيرة وتهتز السلطنة العظيمة. فلقد قال لأولئك العصاة المتمردين على ضباطهم في الوقت الذي كمّمت الأفواه وسكت الجميع: “أيها العساكر الموحدون، إن ضباطكم قد ظلموا أنفسهم بعصيانهم لله، وأنتم بعصيانكم عليهم تهدّدون الدولة العثمانية العظيمة بخطر” فهدّأهم بهذه الخطبة التي استهلها بتلك الكلمات القوية المؤمنة الشجاعة.

نعم، هكذا انجز بديع الزمان ما تقتضيه الحكمة في خطاباته، فقد سكت في موضع السكوت في وقته الملائم، وتكلم في موضع الكلام في وقته وأوانه.. وهكذا كان مسدداً بارعاً إلى هدفه طوال عمره المديد.

ولا شك أن العلم والمعرفة والشجاعة والتجرد وأمثالها من المزايا الإنسانية الكبرى –التي لا بدّ منها لكل مصلح- هو نتيجة وثمرة إخلاصه وعبادته بمقدار معرفته لله، فإذا لم يكن له الإخلاص والعبودية اللذان هما نتيجة تلك الصفات والمزايا فذلك الشخص يكون كالشجرة الكاملة من حيث الأوراق والأغصان ولكن بلا ثمر. فالمتحمسون من أهل الحمية هم هكذا دائماً، لذلك فالصفات والمزايا التي يتحلّون بها لا توصلهم إلى القرب الإلهي. فإذا ما أردنا أن نشاهد هذا العارف بالله من جهة الإخلاص والعبودية والذي تشرف بالعناية الإلهية ونال بعد النظر ونفاذه في كنه الأمور وماهية الأشياء، فلا نرى إلاّ أنه المثال الصادق والشخصية المرموقة للعابد الزاهد الذي يندر مثله في تاريخ البشرية. فعلى مدى عمره المبارك لم يتخلّ عن شجاعته وتجرده وعزته وعزيمته قيد أنملة، ولم يثلم إخلاصه وعبادته بشيء من أمور الدنيا قط، ولم يتنازل لأيّ شيء قط رغم ملازمة الأمراض والترصد المستمر والمضايقات الشديدة حوله.

فهو العبد الكليّ حقاً.. كما يشهد بذلك أحبّاؤه وأعداؤه معاً. ففي طوال عمره كان ينتصب خاشعاً بين يدي ربّه كلما سمع الأذان يدوي “الله أكبر”.. أينما كان وحيثما وجد.. في السهول والجبال في الوديان والبساتين.. فهو ذلك العبد الخاص الذي يقف متضرعاً إلى الله طوال ليالي رمضان والأيام المباركة فيه خاصة داعياً المولى عز وجل لخلاص الأمة ونجاتها من عذاب الدنيا والآخرة.

فلا غرو أنه لم يجعل أمثال أمور الدنيا التافهة غاية عبادته وإخلاصه بل لم يجعل حتى المقاصد العلوية كطلب الجنة والخوف من النار مقصده وغاية عبادته.

لذا أراني عاجزاً عجزاً تاماً عنأن أصف من هو مظهر للإحسان الإلهي وصاحب الشخصية النافذة إلى الأعماق، ومن هو المجدد الأكبر لهذا العصر، إلاّ أنني سعيت إليه نتيجة مطالعاتي فحسب فكتبت ما كتبت.

Bu konuda geri bildirim bırakın

  • Değerlendirme
X